أعترف رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري الاثنين بخسارة ثلث المقاعد التي يسيطر عليها تياره السياسي “تيار المستقبل” في البرلمان المنتهية ولايته، غداة انتخابات كرست نفوذ “حزب الله” في المعادلة السياسية في لبنان، فيما توقعت صحيفة “اللوموند” الفرنسية أن “يحافظ الحريري، “المدعوم من الغرب”، على منصبه وبالتالي يشكل حكومة جديدة”، بينما كشفت مصادر أن رئيس الوزراء اللبناني السابق سينافس الحريري على تشكيل الحكومة بعد فوزه في الانتخابات في طرابلس شمال لبنان، في حين اعتبرت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن “”حزب الله” سيخرج من الانتخابات محكماً قبضته أكثر على الشؤون اللبنانية”، متحدثة عن “هزيمة السنة في لبنان”.

ومن أبرز الخاسرين في الانتخابات اللواء أشرف ريفي وبطرس حرب أحد أبرز قيادي 14 آذار إضافة إلى داني شمعون ابن الرئيس الراحل كميل شمعون.

وأعلن الحريري فوز تياره بـ21 مقعداً، مستبقاً صدور النتائج الرسمية للانتخابات المتوقعة في وقت لاحق الاثنين، بعدما كان حصد 33 نائباً في البرلمان في آخر انتخابات في عام 2009 وحاز مع حلفائه الأكثرية المطلقة.

وقال خلال مؤتمر صحافي عقده في دارته وسط بيروت “كنا نراهن على نتيجة أفضل وعلى كتلة أوسع”، لكنه قال إنه “سعيد” بالنتيجة.

وربط الحريري تراجع عدد مقاعده بطبيعة قانون الانتخاب الجديد، مقللاً من تداعيات ذلك على مستقبل تياره السياسي الذي يؤخذ عليه تقديمه العديد من التنازلات لصالح حزب الله في السنوات الأخيرة.

وقال “عملي هو تحقيق التوافق بين اللبنانيين. ولبنان لا يحكم إلاّ بجميع مكوناته السياسية. والذي يتكلم غير ذلك يضحك على نفسه، لذلك علينا أن نعمل مع بعضنا لبناء البلد فهو لم يعد يتحمّل خلافات سياسية”.

وبحصوله على 21 مقعداً بقي الحريري كزعيم للسنة بقيادته أكبر كتلة في البرلمان المؤلف من 128 مقعداً مما يجعله المرشح الأوفر حظاً لتشكيل الحكومة المقبلة. وفي المقابل خرج حزب “القوات اللبنانية” المناهض لحزب الله وهو حزب مسيحي بفوز كبير زاد تمثيله إلى المثلين تقريباً بحصوله على 15 مقعداً على الأقل مقارنة مع 8 من قبل وفقاً لمؤشرات غير رسمية.

ووفقاً لنظام تقاسم السلطة الطائفي في لبنان فإن رئيس الوزراء ينبغي أن يكون مسلماً سنيا. ومن المتوقع أن تكون الحكومة الجديدة، مثل المنتهية ولايتها، تشمل جميع الأحزاب الرئيسية. ومن المتوقع أيضاً أن تستغرق المباحثات حول المناصب الوزارية بعض الوقت.

من جهته، قال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في خطاب متلفز مستبقاً صدور النتائج الرسمية المتوقعة في وقت لاحق الاثنين إن النتائج بمثابة “انتصار سياسي ومعنوي كبير لخيار المقاومة الذي يحمي سيادة البلد”.

ولم يعلن نصرالله عدد المقاعد التي حصدها حزبه، لكن التقديرات الأولية أظهرت احتفاظ الثنائي الشيعي الذي يضم حزب الله وحركة أمل برئاسة رئيس البرلمان نبيه بري، بالعدد نفسه تقريباً من المقاعد في البرلمان، أي 27 من أصل 128، وربما يزيد حجم كتلته النيابية.

وتمكن الحريري في نهاية عام 2016 من تشكيل حكومته بعد تسوية سياسية أتت بعون، حليف حزب الله، رئيساً للبلاد في أكتوبر 2016، بعد نحو سنتين من الفراغ الدستوري وشلل المؤسسات الرسمية.

وفي لبنان البلد الصغير ذي الموارد المحدودة، لا يمكن تشكيل الحكومة من دون توافق القوى السياسية الكبرى وأبرزها حزب الله الذي تمكن من خلال النتائج الأولية للانتخابات من تعزيز نفوذه في المعادلة السياسية.

وشارك نحو نصف الناخبين اللبنانيين الأحد في عملية الاقتراع لاختيار 128 نائباً، مع معدل اقتراع “49.2 %” لم يلب تطلعات معظم الأحزاب التي توقعت أن ينعكس إقرار قانون يعتمد النظام النسبي تهافتاً على صناديق الاقتراع.

وبعد ساعات من إقفال صناديق الاقتراع الأحد، بدأت الماكينات الانتخابية التابعة للوائح بإصدار نتائجها التي أظهرت في مرحلة أولى احتفاظ الثنائي الشيعي الذي يضم حزب الله مع حركة أمل برئاسة رئيس البرلمان نبيه بري، بالعدد نفسه تقريباً من المقاعد في البرلمان.

ولا توجد بعد أعداد نهائية لعدد المقاعد التي فاز بها حلفاء لحزب الله من طوائف أخرى، والتي قد تؤدي إلى زيادة حجم كتلته.

ويقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اليسوعية كريم مفتي “حزب الله في طريقه لأن يكون مؤثراً في عملية صنع القرار، ولكن ذلك سيعتمد أيضاً على التحالفات التي سينسجها أو يجددها”.

وتصنف واشنطن حزب الله الذي يمتلك ترسانة كبيرة من السلاح، على قائمة المنظمات الإرهابية. كما تتهم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان 5 أعضاء من الحزب باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في عام 2005. ولطالما شكل سلاح الحزب الذي يحارب إلى جانب قوات النظام في سوريا، مادة خلافية بين الفرقاء اللبنانيين. لكن الجدل حول سلاحه تراجع إلى حد كبير قبل الانتخابات بفعل “التوافق السياسي” القائم حالياً.

وأوردت صحيفة “الأخبار” القريبة من حزب الله في مقالة افتتاحية بعنوان “الرابحون والخاسرون” الاثنين أن حزب الله وحركة أمل أظهرا “قدرة فائقة على تنظيم الصفوف بما يمنع تعرضهما لأي انتكاسة”، فيما “تلقى الحريري “وتيار المستقبل الذي يرأسه” الصفعة الأكبر في تاريخه”.

واعتبرت أن “خسارة الحريري” هي “العلامة الفارقة في هذه الانتخابات”.

وقد تلقى الحريري و”تيار المستقبل” الصفعة الأكبر في تاريخه في بيروت وفِي مدن اخرى وذلك بعد خرق لائحته بـ 5 مقاعد، 4 مقاعد من قبل “حزب الله” وحلفاءه من الأحباش بعد فوز المرشح عن المقعد السني عدنان طرابلس اضافة إلى فوز رجل الأعمال فؤاد مخزومي ولم يعد بمقدور الرئيس الحريري احتكار التمثيل السني في البلاد واحتكار تمثيل المدن الكبيرة، في إشارة إلى ما خسره الحريري في بيروت وطرابلس وصيدا وصولاً إلى البقاع، كما لن تعوضه نتائج عكار شمال لبنان. وقد شكلت خسارة الحريري العلامة الفارقة في هذه الانتخابات التي ستكون لها تداعياتها على معركة تأليف الحكومة الجديدة، خصوصاً أن من فازوا أمامه هم من الأقطاب البارزين مناطقياً، على مستوى الساحة السنية من أسامة سعد وعبد الرحيم مراد إلى فيصل كرامي وصولاً إلى نجيب ميقاتي الذي حصد اكبر نسبة من المقترعين السنة في مدينة طرابلس ما يوازي ثلاثة مرشحين مجتمعين من تيار المستقبل في طرابلس.

ويرى محللون أن البرلمان اللبناني قد يشهد في المرحلة المقبلة ظهور توازنات أو تحالفات جديدة.

واستناداً الى التوقعات ذاتها، يتجه التيار الوطني الحر الذي ينتمي إليه الرئيس اللبناني ميشال عون إلى خسارة مقاعد من حصته الكبيرة جداً في البرلمان المنتهية ولايته.

ويحاول عون، منذ وصوله إلى سدة الرئاسة، تقديم نفسه على أنه على مسافة متساوية من كل الأفرقاء.

وتدل النتائج الأولية على أن حجم كتلة عون ستتراجع لصالح تقدم حزب القوات اللبنانية الذي يتزعمه سمير جعجع. وكان الطرفان على طرفي نقيض منذ سنوات طويلة، لكن حصل تقارب بينهما ساهم في الإتيان بعون رئيساً. إلا أن هذا التقارب لم يترجم في الانتخابات النيابية التي تنافسا فيها في كل المناطق.

من جانبه أوضح رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي في مؤتمر صحافي “أنّنا لا نريد إلغاء أحد ونريد أن نكون معاً. نريد طرابلس أن تزهى بالألوان المتشعّبة وأن نحميها”، مشيراً إلى “أنّني أمدّ يدي إلى الجميع لنعمل من أجل طرابلس. 7 أيار يوم آخر. وتابع “انّنا عشنا ضغوطات كبيرة، منها ضغوطات أمنية، بدأت بانسحابات وانشقاقات وحتى وصلت إلى النشل، فقد سحبوا مرشحاً للتأثير علينا، وهذا غير لائق لا بالسلطة ولا بالدولة”، مؤكّداً أنّ “طرابلس لها قيمتها على صعد عدّة، وهذا ما سنعمل عليه”، مشيراً إلى “أنّني حتماً مرشح لرئاسة الحكومة، لكن لا أريد أن يظهر وكأنّني مرشح ضدّ أحد. الموضوع بحاجة إلى تشاور واذا كانت هناك حظوظ لوصولي فأنا جاهز لهذه الخدمة”. وقد استنكر ميقاتي الشعارات التي أطلقت من قبل مناصري “حزب الله” في بيروت ضد الرئيس الحريري.

اما ريفي والتي شكلت خسارته مفاجأة كبيرة لمعظم المحللين والمراقبين، فقد اشار الى انه “كما في خدمتي العسكرية أدَّيت الواجب، وبقيتُ أميناً على قسَمي، كذلك في مسيرتي السياسية. لم أسمح لنفسي ولو للحظات، أن أتاجر وأن أبيع وأن أتنازل، فالحياة وقفةُ عز، وأفخَر بكل ما قمتُ به، وأعتز بنفسي كثيراً، لأنني عندما أقف أمام الله وأمامكم، أتطلعُ الى فوق، عالي الجبين،فقد رأيتُ بكم الرجالَ الرجال الذين لا يعرفون الخوف ولا الذل، وحلمتُ باليوم الذي تنتصرون به لوطنكم، والحلم مستمر”.

أما سمير جعجع وهو الفائز الأكبر في هذه الانتخابات وهو الوحيد الذي رفض التحالفات “الهجينة”، فقد حقق انتصاراً كبيراً من خلال حصوله على 15 مقعداً، إضافة إلى خرق مرشحه انطون حبشي لائحة “حزب الله” في البقاع بالتعاون مع المستقبل، مما يجعل كتلته توازي كل الكتل الكبيرة من المستقبل إلى “حزب الله” والتيار الوطني الحر. ومن المؤكد أن معادلة جديدة ستفرضها التحالفات التي ستقوم بها القوات اللبنانية، إضافة إلى معادلة جديدة فرضها رجل الأعمال انطون صحناوي بفوز مرشحه العميد المتقاعد جان طالوزيان في دائرة بيروت الأولى ذات الغالبية المسيحية.

ودفع قانون الانتخاب الجديد غالبية القوى السياسية إلى نسج تحالفات خاصة بكل دائرة انتخابية حتى بين الخصوم بهدف تحقيق مكاسب أكبر. وفي معظم الأحيان، لم تجمع بين أعضاء اللائحة الواحدة برامج مشتركة أو رؤية سياسية واحدة، إنما مصالح آنية انتخابية، وهو ما قد يكون قد انعكس على ثقة الناخبين باللوائح.

وشكلت اللوائح المشتركة بين حزب الله وحركة أمل الثابتة الوحيدة في التحالفات، بما يكرس إلى حد بعيد احتكارهما للتمثيل الشيعي.

وتعبر فئات واسعة من اللبنانيين عن خيبة أمل من تكرار الوجوه ذاتها وخوض القوى التقليدية نفسها المعركة، علماً بأنها لم تنجح على مدى عقود في تقديم حلول للانقسامات السياسية والمشاكل الاقتصادية والمعيشية التي يعانيها لبنان.

وكالات